أبو علي سينا

تصدير 20

الشفاء ( المنطق )

حقا يحتاج الجدل إلى معرفة البرهان ومقدماته وشرائطه لتكون عند الجدلي زيادة بصيرة ، وللتمييز بين ما هو يقيني وما ليس بيقينى ، وللتشبه بالبرهانيات حين يستند إلى المشهورات ، فتكون هذه المشهورات أقرب إلى اليقين منها إلى الظن . ولكن البرهانيات لا يمكن أن تختلط بالمشهورات ؛ لأن البرهانيات صدقها من ذاتها ، واليقين فيها من الداخل ، وأما : « الشهرة فليس شيئا يتبع أجزاء المقدمات ويلحقها من أنفسها ، بل هو شيء يأتي من خارج » « 1 » . فإذا كانت الشهرة خارجية ، فإن العلوم البرهانية - على العكس من ذلك - لها مبادئ أولية هي ذاتية فيها ، وجزء من طبيعتها . على حين أن المشهورات تؤخذ من المصالح المشتركة بين الناس ، النافعة في استمرار الجماعة وحفظها ، المبنية على العقائد والفضائل والتقاليد ، المؤدية إلى ربط أفراد المجتمع وحفظ « المصلحة الشركية » « 2 » . ولقد سبق أن ميز ابن سينا في كتاب « البرهان » بين الجدل والبرهان ، بما لا يخرج عن هذا المعنى . فالبرهان قائم على التصديق اليقيني ، والضرورة في هذا اليقين « باطنية » ، تكون عن مجرد العقل ، أو عن العقل مستعينا فيه بشيء بعد كسب المبادئ ، وهذه الضرورة هي الأولى الواجب قبوله . والجدل يعتمد على المشهورات وهي مقدمات أحكامها صادرة عن القوة الوهمية لا عن الضرورة العقلية ، فهي من خارج العقل ، لأنها تؤخذ على سبيل تسليم مشترك فيه ، إما صواب وإما خطأ « 3 » .

--> ( 1 ) الجدل ، ص 13 . ( 2 ) الجدل ، ص 14 . ( 3 ) الشفاء ، البرهان ، ص 63 - 64 .